صدر العدد الذهبي من مجلة التعريب (50)

 اضغط هنا لتحميل العدد الذهبي من مجلة التعريب (العدد 50 - حزيران/ يونيو 2016)

العيد الذهبي – بحساب الأعداد لا بحساب السنين – لمجلة ”التعريب“

الافتتاحيـة

بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله حمد محارب

المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

هذا هو العدد الخمسون من مجلة ”التعريب“ التي تصدر عن جهازنا المتخصص الذي يقوم على قضية التعريب وما يتصل بها من ترجمة وتأليف، ومن ثَمَّ نشر. وهي قضيةٌ بالغة الخطورة لا تنفكُّ بحالٍ عن القضية الأساس: اللغة العربية التي تعي المنظمة خطرها، وتعكس هذا الوعي في رؤيتها ونشاطاتها جميعاً، بل إنها جعلت من الهَمِّ اللغوي رأسـاً وحده، وعملت من أجله، من خلال مشـروع كبير مستقل «النهوض بالعربيـة». ولا بد أن نشير في هذا السياق إلى مجلة أخرى مهمة أيضاً، هي «اللسان العربي» التي تصدر عن جهازنا الآخر في الرباط «مكتب تنسيق التعريب». ولكل من المركز والمكتب ودوريتيهما خصوصية، فلكل طرف جبهة من جبهات العربية يرابط عندها، فإذا كان مركز التعريب مشغولاً بمسألة عالمية، هي نقل العلوم والمعارف إلى العربية وعينه على الدرس الجامعي والبحث العلمي وخدمتهما وتطويرهما في بلادنا، فإن مكتب التنسيق يعمل في مجال لا يقل أهمية، هو مجال المصطلح، حيث اللغة العلم التي لا يمكن الاستغناء عنها. والعملان يتكاملان في خدمة العربية ذاتها من جهة، وفي خدمة قضية التنمية والنهضة والحضور العربي في العصر من جهة أخرى.

إنَّ العيد الذهبي – بحساب الأعداد لا بحساب السنين – لمجلة ”التعريب“ مؤشر واضح على أن إرادة الأمة بتطويع العصر ومنجزاته وعلومه للغتها، لا تزال حَيَّة ومتوثِّبة، وذلك على الرغم من شراسة التحديات وتغوُّلها وتنوُّعها، فجميع ما نعاني منه اليوم في التعليم والسياسة والاقتصاد والاجتماع يرتدُّ سلباً على العربية ومناحيها كافة، وفي القلب من ذلك «التعريب».

على أنَّ الحياة والتوثُّب اللذين أشرنا إليهما، لن يمنعانا من أن نفكر في اتجاه آخر، فنذكّر – آسفين – بأن التعريب – بمفهومه الشامل، مفهوم الأخذ والإفادة من الآخر بضوابطه الحضارية، وما يترتَّب على ذلك من تطويع منجز هذا الآخر للغتنا – ما زال محل شك لدى شرائح واسعة من النُّخب وغير النُّخب عندنا، في مراحل التعليم المختلفة، وفي التعليم العالي، وخاصة في حقوق العلم الأساسية والتطبيقية. وأخطر من ذلك أن صاحب القرار غافلٌ أو يكاد، في كثير من الأحيان، عن الأمر، بل عن القضية الكبرى، قضية العربية نفسها !

إننا نقدِّر حجم التأثير الذي تمتلكه اللغات الأخرى، وتحديداً الإنكليزية، ونَتَفَهَّم أبعاد السَّطْوة التي تتمتَّع بها، بسبب الغلبة الحضارية التي أشار إليها ابن خلدون قبل قرون عديدة، والتي تكاد تخرج بالأمر عن قدرة المغلوب على مواجهة الغالب، لكن ذلك لا يعني أبداً الاستسلام لهذه الريح العاتية، وخطُّ الدفاع الأول هو المراكز الثقافية والبحثية المعنية، التي عليها أن تقوم بمسؤولياتها في الانفتاح الواعي واليقظ والمستمر لملاحقة إيقاع العلم المتسارع ونقل ما يصدر إلى العربية، فتلك هي الضمانةُ التي لا خيارَ لجهتي مجاراة العصر وبناء الأسس اللازمة للانطلاق نحو المستقبل.

هو التعريب خيارنا الذي لا يوجد غيره، حتى لا نقع في وهدة التغريب، ولسنا بذلك نقيم مواجهة، أو نفتعل صداماً، لكنه الحق، حقُّ الأمم جميعاً، في أن تفكر بلغاتها، فما اللغة إلا الإنسان، وما تجاوزها واستعارة لغة أخرى للتعلُّم والتعليم إلا اعتداء على صاحبها وانتهاك لحرمة إنسانيته ذاتها.

إن التعريب رافد رئيس من روافد الحفاظ على العربية واستمرارها، فهو من جهة يثريها، ومن جهة يغني أبناءها عن أن يضطروا إلى الارتماء في أحضان اللغات الأخرى، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن تعلُّم تلك اللغات.

لقد قامت مجلة ”التعريب“ على مدى خمسة وعشرين عاماً بالدور الذي ينمُّ عنه اسمها، وعملت من أجل ذلك في مسارات عديدة، مسار عام يرتكز على العربية عامة والتوعية بخطر اللغة وضرورة العمل من أجلها من خلال سياسات، ومسار خاص يشمل قضايا التعريب والترجمة والمصطلح، من جوانب عديدة، تربوية وتعليمية وحضارية، ولم تغب عن اهتمام المجلة الأبعاد التاريخية والتراثية، ومن خلال التراكم الذي تحقَّق في ربع القرن الماضي، غدت مرجعاً لا غنى عنه كما غدت محل اعتزاز «المنظَّمة».

وهذه مناسبة للتنويه بدور «مركز التعريب» الذي تصدر عنه المجلة، فما هي إلا بعضُ عمله، ومَن يطلع على منجزه من الكتب المهمَّة التي قام بترجمتها إلى العربية، يدرك – دون لأْي – عِظَم الخدمة التي قدَّمها للعربية وقضاياها جميعاً.                

      والله ولي التوفيـق.

 

 

أحدث الأخبار

عداد الزوار